تراث من كردفان
الأدب الشعبـــي في كردفــان
يبدو إن دراسة التراث الشعبي السوداني بمختلف صوره واشكاله من الأهمية بمكان ، وللتراث الشعبي دور هام في حياة كل أمة من الأمم ، وفي كل بادية من البوادي السودانية ، و تتنوع فنون الأدب الشعبي بديار كردفان و يختلف الموروث الاجتماعى الشعبي والثقافي باختلاف القبائل والعشائر والأمكنة وكذلك يتباين نطق ألسنتهم للمفردات اللغوية من طرف الى أخروكما يتعدد فيها شعر (الدوبيت) و مضارب الفرقان و أدب البرامكة والشاهي والمشكار وجرداق الخيل والفروسية والشجاعة ومحلية الطنبور في الأرياف وغنوات الربابة والى فن الجرارى والمردوع والنقارة والكرنك والتويا والمزمار وأحاجى القصص والاساطير والحكاوى والأمثال بدواخل البوادي والسهول وصحاري الرمال وكذلك يكثر الفلكور الشعبي فوق سفوح الجبال وحول قعورها وجمال الأخضرار، في الحقيقة يعتبر الأدب الشعبي بمثابة الذاكرة والتاريخ الشفاهى لهذها المجتمعات البسيطة لأنهم يحفظونه فــي العقول ويقولونه شفاهـــة في أيام ليالي السهارى و الافراح ليخففوا بـــه هموهـــم ولا يكتبونه في أوراق ليحافظوا على مكنونه المنثور في التراب ولذا حرى بنا في ملتقى كردفان للثقافة والتراث والفنون ان ندون ونوثق هذا الأدب والفن والتراث ولو في لفحات بسيطة ذلك للاطلاع والتعرف عليه والحديث عنه حديث ذو شجون يدور ويدور في مجال يتعدى أثره النفسي الجيد في تطريب نفوس الناس و ك>لك دور تفعيل المفردات والالعاب في رتق النسيج الاجتماعي بمختلف الديار .
1- أدب الدوبيت – الحداء بضم الحاء وكسرها من حدا يحدوا حدوا والحدو: هو سوق الإبل والغناء لها ( أغلب شعراؤه أبالة ) ينتشرون في مناطق دارالريح ودار حمر وغربها و بوادى سودانية أخرى مثــل البطانـة و شمال دارفور(زيادية) والشرق ودواخل الجزيرة اتجاه المناقل
نموذج :
ألبـــل الفـــوق العديــد مســدارن
قاموا ليهن رجالاً بقطعوا راسمالــــن
ستاتن ببكـــن لمـــن نسن جهالــن
يقول الأمام الغزالى ( الجمل مع بلادة طبعه يتأثر بالحداء تأثرا يستخف معه الأجمال الثقيلة ويستقصر لقوة نشاطه في سماعه المسافات الطويلة ، ويبعث فيه النشاط ما يسكره ويولهه ، فترى الأبل إذا طالت عليها البوادي واعتراها الأعياء والكلال تحت المحامل والأجمال )
صورة لشاعر يرسم هذا التجاذب بينه وبين جمله من خلال رحلة في الفيافى .. يقول الشاعر ود حيدوب
كم كــربته من الصــبح للغيبه
وكم شقيت فيافى وكم قتلت دبيبه
اموال الرجال مهما تكـون بنجيبه
كربت يا جمل ، في ريرا لى حبيبه
تقول أحدى شاعرات الكبابيش في شأن الناظر محمد على التوم
الملقب ( بالمُر)
المُر يـا جبل بـيلا
حنضل مافي عسيلا
2. أدب الهــداء والمشكـار
الهداء فن جميل تميز به الشعراء الهدايين ( بقارة) ، فالرجل الهداي عادة ما ينشد ويمدح فضائل الرجال الكرام ويعدد محاسن القبيلة على نغمة آلة وترية ( تسمى أم كيكي) من الشعراء الهدايين الذين عرفوا في بوادي كردفان ، أذكر منهم الهداي الشهيرأم بارات الذي دوت صيحته في مناطق المسيرية وكذلك شاعر الكلكلة (رحمه الله ) يوسف أدم حسب الدائم ، الذي نشأ وترعرع في بادية المسيرية الزرق منطقة ( وساطة ) بالقـرب من لقاوة ، و كما وصفه د. سليمان يحيي في دراسات في التراث الشعبي بغرب السودا ن ( كتابه ) الهداي يوسف حسب الدائم شاعر الكلكة يقول عنه : كان يوسف شاعرا مبدعا في مجال الشعرالشعبي تعلم العزف على آلة الطنبورالتي تسمى باللهجة المحلية في جنوب كردفـــان ( ام بري بري ) اوالربابة عندما كان يجالس الفنان الشعبي موسى أدم من المسيرية ، وكما تناول مدلول القيم الجمالية للمرأة عند الهداي يوسف حسب الدائم مثل لونها وبياض أسنانها واتساع حدق عيونها وغيرها من صفات
قصيدته ( ليمون باره) التي تغنى بها الموسيقار د . عبد القادر سالم
الصفار الكمل جمالـه
والخضار الشايل نواره
الصفار ده بسكن جواره
عينه الريــال بوطارة
كما تعد الرشاقة ضمن القيم الجمالية في المرأة وقد ورد مقاطع أبيات عنها
]الرشيقة بنيت البقارة
والرشيدة عجيلة البقارة[
(للابن البقرة : بكر – جدعة – تنية – ورباعية –عجل جدع –عجل حولى)
كثيرا ما نسمع ويقال أن الشاعر ابن بيئته وذلك نظرا إلى العلاقة المتبادلة بين الشاعر والبيئة التي نشأ وترعرع فيها ـ فالهداي السير ام خميره .. نشأ في منطقة البريكة وبرزا أكثر في مشكار الشاي الذى عرفه به الناس في أسواق الحمادي والحاجز وخشم الوادي ( ابوحبل ) وسوق خمي وغيرها
بقول تــــــلا لو لو :
الحرفـــاء قالــو هلو
تعالو شوفـو كلتومه
ماشي بجمالها للنقـاره
شعبانه مالها جيعانه
ورقبتها من الدهب ميلانه
سبقت الخـيل الحرة
بنت القــوز النواره
و كذلك يتواجد الهدايين في بوادى دارفور خاصة لدى المجتمعات البدوية (رزيقات وهبانية) وأذكر منهم الهداي ( راضى)الملقب نبال هوسا
وهذا هداي منهم يصف حاله قبيلته من بعد بؤس أصاب مكانه وتغيرت أحوالهم
ده الجــامــــوس أبوحــــــراب
يوم جــاء خاطــــــرنا طـــــاب
جم الورل مــــن طعـــــن السرداب
وجم كجي أبو عميرة مــن شكشاك الكلاب
وجـــــم الجداد مــن زد الرقــاب
ده الجامــــــــوس أبـو حــراب
3 - أدب الجرداق والمشكار: يختص به الشعراء الشعبين ( بقارة) الذين
يقولون شعرهم في مدح الخيل والفروسية وغزل النساء أحيانا )
وهذه شواهد من الكلام يرويها الشاعر حامد خالد من الزريقات ، يفخرفيها بفروسيته
قبل ان ينتقل الى موضوع أخر من الغزل يقول:
همي أنا يا أم عاج
شحم الجواد
وهمي أنا يا أم عاج
تطرق الحراب
وهمي أنا يا أم عاج
ترقع القراب
وهمي أنا يا أم عاج
الرفيق الزين خبير فوق الرقاب
وهمي أنا يا أم عاج
خيل المباغتة دقا بلا ميعاد
تركب الشداد
ونملأ المخالي زاد
ونثبت القلاد
ونرى النور المسيري شاعر لا يشق عليه غبار في رسم الصورة الشعرية الجميلة ومن زاوية أخرى هو هداي من الطراز الفريد يحاول في هذه السطور ان يمجد ويفخر بقبائل المسيرية الزرق في سرد طويل ، حاولت ان أخلص جزء منها .
المسيرية سبع قبائل
لو درت الكرم وراثنو من عطي
والمسيرية شأنهم عظيم
والفراسة وارثنها من عطئ
الإدارة الأهلية تعالي لي
وكلمة المسيرية كوينها لي
والسابع قبائل ضموها لي
والحساب غلط يا مصحح
في التاريخ صحح لي
يسترسل الهداي النور في نغم جميل ...يمجد فيه القبيلة تلو الأخرى
وبتكلم في قبيلة الزرق
محل الشعر والتعليم
قبيلة الجماهير
الزرق حنونين
قبيلة التفتحية والتعليم
مسيرية زرقاء أهلى أنا غاليين على
وبتكلم في قبيلة العنينات
على راضين وبرد الدين
بتكلم في قبيلة الدرع
وكلمة الدرع تشمل قبائل كثير
ودى الرجال الما سهلين
والله ما جاب اليوم الشين الدرع خطيرين
وبتكلم في قبيلة وأولاد هبيان النمرة الأولى
والكرم لهم دليل
ولو مشيت عديل هم واضحين
وبتكلم في قبيلة النعمان
أهل العلم وبردوا الدين
النعمان ديانة وسبحة
وكل المسيرية الزرق على النعمان متركزين
وبتكلم في قبيلة الغزايا
دول الرجال االما سهلين
الغزايا زعماءهم لمشاكل حلالين
الغزايا أخلاق وصراحة
وبتكلم في قبيلة أم سليم
الدبيب الحر .. أهل الثروة
ويعجبوك في المدينة والبادية
قبيلة ام سليم دكاترة معلمين
وده محل كلامى بكمله
وأشكر عموم قبائلى
وأشكر الأمراء والعمد والمشايخ
المسيرية أجلسوا تحت ووحدوا الكلمة
وكلنا بعض ونشيل على العشرة
مسيرية زرقاء أهلي أنا
وعلى غاليين
4- أدب الهجين والحكامات: يقولونه النساء الشواعر اللائى يعرفن بالحكامات
كذلك نحاول ان نورد جزء من حكاوى الحكامات من التراث الشعبي في بادية الحوازمة وأثره في رتق النسيج الاجتماعى ، سبق ان تم نشر هذا الموضوع من قبل الأخ على اسماعيل بموقع سودانيز اولاين في اكتوبر العام 2004 له منا كل الشكر عرفان بالجميل
[b]عزيزئ القارئ في محطة من محطات السفر يدرك وادى شوشاي قبل الوصول الى بادية الحوازمة وتشاهد مروج الروابى الخضراء وجمالها المسحور وذاك الهدهد المنثور أمير الطيور
ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة ** بروابى شوشاى والخضار دليل
1- تقع بادية الحوازمة في كردفان الكبرى في المنطقة الواقعة ما بين شمال الدلنج ( حي المطار) حيث دار بخوته عربان وعدنان ودار نعيلة وشلنقوه كمان /، حتى الحمادى القديم بالقرب من وادى شوشاى ومن ناحية جبل الفينغر غربا حدود دار المسيرية ودار حمر إلى علوبة شرقا حيث دار الجوامعة والغديات ، و البركة الفيحاء وغابة شيكــان الشهيرة ( تسمى في قاموس الناس أحيانا منطقة القوز ) وكلما ذكرت البركة الفيحاء اذكر شعر المهندس على الضو
لهفى عليك يا كردفان يهزنى ** فلقد وجدت على رباك بتولا
لهفى على الغصن النضير ببركة ** وصوادح وحمائم وهديلا
وغدائر للديس تجرى تحته ** محمــولة بحيائها فتميلا
يا ليت شعرى هل أموت بغصتى** وهل السبيل لعودتى مقفولا
وهل المسالك أوصدت أبوابها ** غابت ضيائى وأنثى الأكليلا
بمشيئة الرحمن إنى قادم ** كُفى النحيب وفحكمه مقبولا
أحبتى الكرام : اشتهرت بادية الحوازمة كغيرها من بوادي السودان عامة وكردفان خاصة بتراث شعبي أصيل يتنوع من منطقة إلى أخرى ، فنون شعبية رائعة وتعدد فلكور فنى ومقامات عربية وألعاب طروبة ( نقارة ومردوع) وأغـاني المشكار والهجين والقيدومة وإيقاع الكمبلا والطنبورونغمات أم كحيل ونسيم الليل وحمرت عبرت الجبال ، وما أجمل صفقة الطنبور في الصغيرون وسكنتى ابو كبه فحل الديوم وسعاد الطالبة بنت علوبة وفن الدلوكة ورقصة الربـة وإيقاع الصفقة الرقيقة . في الحقيقة تميزت هذه البادية بوجود عدد كبير من الحكامات هن نساء شواعر يجدن فن الغناء والشكر والثناء بالكلمات القوية للفرسان ورجال القبيلة ( رموزها) و ممن يشتهرون بالجود والكرم والشجاعة والفروسية، ما يسمى بالهجين يجري على الألسنة . أذكر من الحكامات اللاتي صاحت شهرتن الحكامة القديرة زحيلية تاور (رحمها الله) من الحوازمة ( دار بخوته في الدلنج) وكذلك الحكامة درق الليل شينو بنت الغائب وأم سعد وحواء تمساح البحر وفاطمة بنت الباشا وحواء ام الباشا بنت ابو الرضية والحكامة اللامعة ( زهرة ) بنت القوز التي
قالت: في شأن رجل عظيم .
سكينة شكت ليّا من ذبح الغنم
متعهد بضيف الهجـــــعــة *
لما الــــــــــــــرجـــل تنضــم
*الضيف الذي يأتي ليلا
وقالت الحكامة عائشة بت ديدان من قبيلة دار شلقنوه / تمتدح رجلاً
الله خلق كثير ، خلق الصبيان وخلق البنات
خــلق جمعه ولـــــــــد الـــوكيل
ضهب الشنطات شارع الـــــــردم
الخريف أبو طويرات البسط الحرات
الله مــا ورانا يــــــــــــومـــا بلاك
تقول أن الله هو خالق الناس والعباد ... خلق الذكر وخلق الأنثى منهم
خلق جمعه ود الوكيل وهو رجل مثل الذهب اللامع في الشنط .
رجل شهم وكريم وجواد مثل المطر النازل الذي يسقي ويروي كل البلاد ولذا نجد أن الحكامة بنت ديدان في ختام حديثها تسأل الله أن لا يوريها يوماً تفتقد فيه حامد ود الوكيل وهنالك حكامات برزن في فن الدرملي : هو حوار من الغناء الشعبي يؤديه الرجال والنساء معا في إيقاع رقصة غنائية تشكلية جميلة يكون الرجال في صف والنساء في صف لكل منهم دورمعين في شيل الأغنية وتطويها مع إيقاع رمية خفيفة على الأرض ، اشتهرت به منطقة تلودي ( عاصمة كردفان سابقا ) في أقصى جنوب كردفان ومن ثم انتقل إلى مناطق أخرى وبصفة خاصة بادية الحوازمة ، ومن أغراضه يقال في الكرم والجود والفروسية مثل هذه الحكامة تمتدح رجل غني بالمال ( البقر ) يسمى على سلام (رحمة الله عليه ) الذي عرف أنه انسان كريم في مراحيل الحوازمة وكما تقول عنه:
النور جاني بتسم
وعيسى ود دربو رفع كِمه
قال المال ما بهمه
على سلام ( توره ) مدنبل لي
حرن لي فوق النسورا
للأهمية الأغنية رويت قصتها انها كانت بدواعي مناسبة معينة عندما خرجت سيرة عريس من أحدى أرياف جنوب الأبيض ( وذلك للذهاب به الى مكان بعيد عن بيت العروسة (عريسنا وين نقيل بيه في الشجرة ام كقول كيه ) ومرت زفة العريس بالقرب من فريق (على ود سلام ) بمنطقة مخارف البقارة و استقبلهم النور على سلام
(ولده الكبير) (باسماً)* تحديدا عند تبلدية النسورا قرب جبل ام شجيرة ، كان يرافقه الدرب عيسى ود دربو ( بن عمومته) أنسان له مواقف وحكايات، رافعا كِمه جلابيته مهللا ومبشرا فيهم حسب الأصول والعادات التي تعارف الناس عليها من زمان وما كان من الرجل المقدام والشهم على ود سلام إلا التقدم اليهم في قدح المكارم و ربط لهم( تورفحل) تحت ظل شجرة التبلدية وقال لهم بلغة بقارية صرفة توا اليوم دا يا ناس القوز مالكم راحين منا ، قيلوا بعريسكم دا في تبلدية النسورا دى ولما شاع الخبر وسمعت الحكامة به ألفت الأغنية المذكورة ايفاءاً في حق الرجل و جوده وكرمه وأشارت في الأغنية لكلمة النسورا فقط دون ذكر شجرة التبلدية لأنها تسمى تبلدية النسورا لكثرة تواجد النسور بها في فصل الخريف وهي تقع بالقرب من جبل أم شجيرة ، بعد ذلك انتشرت الأغنية في ديار كردفان، تغنت في شكل الدرملى( وهوحوارفنى) ، كذلك تغني بها عدد من الفنانين أذكر منهم الفنان التشكيلي الرائع/ عباس عبده الذى أداها بالعود في نغم مموسق جميل و تغنى بها أدم حموده في قناة هارموني، ومن الأغاني الجميلة التي لمعت في المنطقة الجنزير الثقيل ، شال ابو خمسة والزول سرق الباره وفرع البان وبراق الصعيد وأم خشيم الريد
مدنبل : أى الثور مربوط
حرن : عدم تجاوزه
خادى : بلغة البقارة أى مكان او منزلة الفريق